السيد علي الحسيني الميلاني

41

نفحات الأزهار

فإن قيل : فقد رجع الأمر إلى أن العقل هو الموجب ، من حيث أنه بسماع كلامه ودعواه يتوقع عقابا ، فيحمل بالعقل على الحذر ولا يحصل إلا بالنظر ، فوجب عليه النظر . قلت : الحق - الذي يكشف الغطاء في هذا من غير أتباع اسم وتقليد أمر - هو أن الوجوب لما كان عبارة عن نوع رجحان في العقل ، فالموجب هو الله تعالى ، لأنه هو المرجح ، والرسول مخبر عن الترجيح ، والمعجزة دليل على صدقه في الخبر ، والنظر سبب في معرفة الصدق ، والعقل آلة للنظر ولفهم معنى الخبر ، والطبع مستحث على الحذر بعد فهم المحذور بالعقل ، فلا بد من طبع يخالفه العقوبة الموعودة ، ويوافقه الثواب الموعود ليكون مستحثا . لكن لا يستحث ما لم يفهم المحذور ولم يقدره ظنا أو علما ، ولا يفهم إلا بالعقل ، والعقل لا يفهم الترجيح بنفسه ، بل بسماعه من الرسول ، والرسول ليس يرجح الفعل على الترك بنفسه ، بل الله هو المرجح والرسول مخبر ، وصدق الرسول لا يظهر بنفسه بل المعجزة ، والمعجزة لا تدل ما لم ينظر فيها ، والنظر بالعقل . فإذا قد انكشف المعاني ، فالصحيح في الألفاظ أن يقال : الوجوب هو الرجحان ، والموجب هو الله تعالى ، والمخبر هو الرسول - صلى الله عليه وسلم - المعرف للمحذور ، ومصدق الرسول هو العقل ، والمستحث على سلوك سبيل الخلاص هو الطبع . هكذا ينبغي أن يفهم الحق في هذه المسألة ، ولا يلتفت إلى الكلام المعتاد الذي لا يشفي العليل ولا يزيل الغموض " ( 1 ) .

--> ( 1 ) الاقتصاد في الاعتقاد : 119 - 121 .